التعداد العام 2024 ومسوح الأسرة الخارطة الرقمية المتكاملة لإنهاء الفجوات التنموية في العراق

يعيش العراق اليوم مرحلة تاريخية من التحديث الرقمي والمؤسسي؛ إذ يمثل التعداد العام للسكان والمساكن 2024 الركيزة الأساسية للنظام الإحصائي الوطني. ولم يعد التعداد مجرد عملية عدٍّ روتينية للأفراد، بل بات يُشكل مع المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة منظومة متكاملة لفك شفرات الفقر، الحرمان، وعدم المساواة. إن التكامل المنهجي بين التعداد والمسح يسهم في تعزيز دقة المؤشرات وتحديد بؤر الحرمان بدقة متناهية، مما يضع بين أيدي صُنّاع السياسات أداة تخطيطية رصينة لرسم البرامج القائمة على الأدلة الحية.
تأتي أهمية تعداد 2024 كونه أول تعداد شامل لجميع مناطق العراق منذ 37 عاماً في ظل استقرار وتوافق سياسي متميز. وبالنظر إلى المسيرة التاريخية للعمل الإحصائي في العراق، نجد تدرجاً ممتداً من تعدادات (1927-1947) التي اقتصرت على المدن وقوائم المكلفين، مروراً بتعداد 1957 كأول تعداد سكاني شامل وحديث، وتعدادات (1965-1987) المتتابعة، وصولاً إلى محاولات عامي 1997 و2009 التي واجهت تحديات في الشمول.
أما في عام 2024، فقد حققت هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية قفزة نوعية تمثلت في:
• الانتقال الكامل من الورق إلى الأجهزة اللوحية (التابلت) كخطوة جبارة نحو الإدارة الحديثة.
• تحقيق التدقيق الإلكتروني اللحظي أثناء العمل الميداني لمنع الأخطاء البشري.
• رفع كفاءة الإدارة عبر أنظمة المتابعة المكانية الجغرافية للأجهزة في الميدان.
• تم تنفيذ العمل الميداني بكفاءة عالية عبر إجمالي كوادر عاملة تجاوزت 120,000 عنصر، من بينهم 90,000 باحث ميداني بصفة عدّاد، و35,000 مشرف محلي ومركزي، تساندهم إدارة عليا وتقنية تضم أكثر من ألف مهندس ومبرمج متمكن في نظم المعلومات الجغرافية.
أفرزت مخرجات التعداد لعام 2024 لوحة ديموغرافية غنية تعكس ملامح المجتمع العراقي الحالي:
• بلغ عدد سكان العراق 46,118,793 نسمة.
• سجلت نسبة الذكور 50.22% (23.1 مليون) مقابل 49.78% للإناث (22.9 مليون)، لتستقر نسبة النوع عند 101 ذكر لكل 100 أنثى.
• يشكل سكان الحضر (المدن) 70.2% من إجمالي السكان، بينما يستقر سكان الريف عند 29.8%، في حين بلغ متوسط حجم الأسرة العراقية 5.77 فرد.
• تُظهر البيانات أن نسبة المتزوجين بلغت 54%، والعزاب 41.6%. وسجل متوسط العمر عند الزواج الأول 24 سنة للذكور و21 سنة للإناث، مع مؤشر حرج يستدعي الانتباه والمراقبة يتمثل في بلوغ نسبة الزواج المبكر (أقل من 18 سنة) نحو 24.31% بين الإناث مقابل 5.32% فقط بين الذكور.
يكشف التعداد عن فجوة تنموية واضحة في مستوى الخدمات الأساسية المتاحة بين سكان المدن والقرى:
• تصل نسبة تغطية شبكة الإسالة داخل المسكن إلى 66.7% في الحضر، وتنخفض إلى 54.7% في الريف مع الإشارة إلى أن الاعتماد الإجمالي على محطات التصفية RO يبلغ 22.57% ككل .
• تغطي الشبكة العمومية المشتركة بالمولدات نحو 63.5% في الحضر، وتهبط إلى 39.7% في الريف علماً أن الشبكة العمومية الإجمالية تغطي 98.41% لكنها تتطلب إسناداً مستمراً من المولدات بنسبة 57.24%
• تظهر الفجوة بأقسى صورها هنا؛ فبينما يمتلك الحضر شبكة عمومية بنسبة 61.78%، تنعدم هذه الخدمة تقريباً في الريف لتسجل الشبكة العمومية 14.93% فقط، ليكون البديل الرئيسي في القرى هو (حوض التعفين/ السيبتك تانك) بنسبة 28.86%.
• يُشكل التخلص من النفايات خطراً بيئياً في البلاد؛ حيث ترفع البلدية النفايات بنسبة 58.36% إجمالاً. ولكن هناك 13.05% من الأسر تتخلص من النفايات عبر الحرق، وتتصاعد هذه الظاهرة الخطيرة في الريف لتصل إلى 42.41%. .
• يستقر معدل الأمية العام في العراق عند 15.71%، مع اتساع الفجوة بشكل حاد في المناطق الريفية لتصل الأمية فيها إلى 23.04 % مقارنة بـ 12.69% في الحضر. وعلى مستوى الفئات العمرية (10 سنوات فأكثر)، تهيمن الشهادة الابتدائية بنسبة 30.21%، تليها فئة من يقرأ ويكتب بلا شهادة بنسبة 12.63%، ثم المتوسطة بنسبة 12.68% والبكالوريوس بنسبة 9.34%.
• سجل معدل النشاط الاقتصادي العام في العراق 39,4 % وتكشف الأرقام عن فجوة عميقة بين الذكور والاناث ؛ إذ يبلغ معدل النشاط الاقتصادي للذكور 65.9 % (سواء في الحضر أو الريف بنسب متقاربة)، بينما ينكمش هذا المعدل بشكل حاد لدى الإناث ليبلغ 13.1% إجمالاً (15.1% في الحضر و8% فقط في الريف)، مما يؤكد ضعف الإدماج المالي والاقتصادي للمرأة العراقية في الفضاء العام.
أعادت الهيأة تعريف الفقر بمنهجية حديثة تركز على الإنفاق الفعلي للأسرة كمقياس لمستوى المعيشة الحقيقي مستمدة من مسوح IHSES ) ) ومن خلال قراءة مؤشرات الفقر المادي ومتعدد الأبعاد عبر السنوات (2007-2024)، يُلاحظ حدوث تحسن تدريجي مستمر:
• انخفضت نسبة الفقر العامة في العراق من 22.9% عام 2007 لتستقر عند 17.5% عام 2024.
• تراجعت فجوة الفقر من 4.5% إلى 3.9%، بينما انخفض عمق الفقر إلى 1.3%.
• سجل معامل جيني (عدالة التوزيع) استقراراً نسبياً عند 29.8% عام 2024، وهو مؤشر ممتاز يعكس استقراراً في التفاوت المالي مقارنة بدول إقليمية مثل تركيا (41.9) وإيران (40.9) والسعودية (45.6) .
🗺️ التحليل الجغرافي والمكاني لنسب الفقر (النطاق الأخضر مقابل الأحمر):
تظهر القراءة المكانية تبايناً حاداً وجغرافيا مستقرة تضع صُنّاع القرار أمام مسؤولية التدخل الاستثنائي:
• 🔴 النطاق الأحمر (البؤر الأشد فقراً): تتركز معدلات الفقر القصوى في شريط جغرافي محدد بالجنوب والفرات الأوسط؛ حيث تسجل محافظة المثنى أعلى نسبة فقر في العراق بنسبة 43.6%، تليها بابل بنسبة 34.4% ثم القادسية بنسبة 28.9%. وتكشف التحليلات أن الفقر هنا مرتبط طردياً بحجم الأسرة (حيث تقفز نسبة الفقر إلى 33.6% في الأسر التي تضم 10 أفراد فأكثر).
• 🟢 النطاق الأخضر (الجغرافيا المستقرة): تبرز المحافظات الأقل فقراً بفضل تنوع النشاط الاقتصادي وتمركز الأعمال؛ حيث تسجل أربيل النسبة الأقل في البلاد بواقع 5.9%، تليها السليمانية 7.9%، كركوك 9.5%، وتستقر العاصمة بغداد عند 13.5%. إن الفجوة الجغرافية تتجاوز 7 أضعاف بين المحافظة الأشد فقراً والأقل فقراً.
من البيانات إلى السياسات
تثبت القراءة التحليلية لتعداد 2024 ومسوح الأسرة المرافقة لها، أن معالجة البطالة وتطوير البيئة الريفية (خاصة شبكات الصرف الصحي وإدارة النفايات) تمثل ركائز أساسية لإنهاء الهشاشة متعددة الأبعاد وتقليص التفاوت التنموي بين المحافظات. إن هذا الإطار التنموي المتكامل، الذي يربط خطوط الفقر المادي بمؤشرات جيني والديموغرافيا الشاملة، يوفر للدولة العراقية فرصة ذهبية لإعادة صياغة برامج الحماية الاجتماعية وتوجيه الاستثمارات الوطنية نحو الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً، تحقيقاً لعدالة اجتماعية مستدامة